الأحد، 15 يناير، 2012

مسرحية الفزاعة للكاتب فرحان الخليل




مونودراما - الفزاعة-
تأليف : فرحان الخليل **
المكان مستشفى ، غرفة الأطباء ، باب على يمين المسرح ، مكتوب فوق الباب ( غرفة العمليات ) ، خزانة في الجهة اليسارية من المسرح ، بين الباب والخزانة ، صورة معلقة على الجدار لأبن سينا . تحت الصورة مشجب لتعليق الملابس معلق عليه ثياب تخص الطبيبة ( يضاء المسرح على امرأة في الخامسة والثلاثين ، تتحرك ببطء ذهابا وإيابا مطرقة الرأس وبالهدوء نفسه تواجه الصالة ، تحدق بالحضور وكأنها تبحث عن شخص ما )
المرأة : بضع دقائق وأكون معه ….. إنه ينتظر …. نعم إنه ينتظرني …. هناك …. في الداخل
( تنظر إلى نفسها ثم تتجه نحو المرآة مسرعة وتقف قبالتها تخلع سترتها )
لابد لي من العناية بنفسي قليلا ، إنه هكذا يحب أن أكون نظيفة ….. وجميلة ….. وأنيقة و….
و…. وحارة ( تضحك ) … بل حارة جداً .. ربما لأنه اعتاد على حرارة …. المراجل .. بحكم
عمله طبعا … حين ننحدر إلى مشاويرنا القصيرة ، يتحول إلى رجل آخر …. رجل يفيض
رجولة …. يغلي دمه ويكاد يسحب من روحي روحها ( تهدأ بشكل غرائبي ) حينها أشبك

أظافري بساعده القوي … وأطلق أسئلتي المشاغبة … ماذا سأقول للوقت القلق حينها ؟ … آه ما
أجمل لحظات استبداده ….. لكن … ما أقساها أيضا … وها أنا وحيدة في الخارج حنونة وحارة
وأنت … وحيدا يا حبيبي باردا في غرفتك الباردة ( تستدير بشكل سريع نحو الباب ) أيها القابع
في قيعان روحي …. أيها المستبد الأحمق …. لقد ذهبت يداك الذاهلة عن أسرار روحي ، وها هي يدي لن تعود بالياسمين … لقد كفت حواسي عن حضورك … واعرف أنك نجمتي المطفأة (تصرخ ) لن تستطيع الآن فعل أي شيء …. لقد امتلكتك باردا … وأبديا في بردك .. فلتمضي إذن … بل نمضي ونترك المقعد لعاشقين آخرين …. علي أن افعل هكذا … حتى لا تذهب في حرارتك بعيدا في مراجل العاهرات !!!! ( تغسل يديها , تجلس ، تخلع فردة حذائها وترميها بعصبية , ثم تخلع الأخرى وتبقيها في يدها ثم ترفعها نحو عينيها … تكلم الحذاء مقلدة صوت الرجل ) المرأة مثل فردة الحذاء أرميها حينما أريد …. هه …. ( تستدير نحو الغرفة المغلقة ) هكذا كنت تقول دائما ً …… من منا فردة حذاء يا أفندي ؟ ( تتجه نحو صورة ابن سينا المعلقة على الجدار ) ألا تعلم أيها المعلم أن الرجال حيطان ملتوية ومائلة … الرجال مدينة موحشة … الرجال ثعابين تمشي على هذه الأرض حفاة وممزقين الروح ؟؟؟ أما أنا … ألا يجدر بالألم الذي ينتعلني أن يعطيني قلبي قبل أن يمضي ؟ ( تبكي ) لم يدري أحد أن في الغرفة المصابة بالصداع أن هناك امرأة مزدحمة بالقلق والينابيع كانت تقف لك في مقدمة القلب تضع يدها على مقبضه …. ثم لا تجيء , لماذا لا يدرك أحد من الرجال أن هناك امرأة برئتيها الواسعتين لا تستطيع أن تقول بعلانية أيها الهواء أدخل …. لماذا ؟؟ … لماذا أيها الرجل تحبس شمسي الصغيرة وتتركها تائهة ؟ لماذا كلما صافحت رجلا تتساقط أصابعي إصبعا إصبعا ( يزداد البكاء يشكل هستيري ) لماذا لا تدري حتى أمي أن أصابعي تؤلف ضفافا كبيرة وتخلق شموسا تنير هذا الكوكب وتزرع الحنطة في براريه ؟ ( بهدوء ترفع رأسها ، وبهدوء تتكلم ) خمسة وثلاثين عاما من نخاس إلى آخر … قادني أبي على أرصفة الله وهو يتلو علي آيات الحصار ….. وروض تويجاتي كما يريد شيخ الحارة ….. ومات …… مات مطمئنا بعد أن ذهبت روحه راضية مرضية إلى ….. المهم مات مطمئنا على بكارتي نظيفة …. لامعة…. مثل نقطة في المصحف ( تضحك بشكل هستيري ) وجاء البكر أخي بعد أن ولاه الله على جسدي وروحي …… هه ….طفل يشبه رامبو … وطفلة تشبه رياحين الربيع ( تشير على ابن سينا ) طاغية آخر , خلع الشروال وارتدى بنطلون الجينز ….. كلما نظرت إليه أجد أنيابه ازدادت طولا ….. وعيونه أكثر احمرارا ( ترمي فردة الحذاء من يدها , تتجه نحو الخزانة وتفتحها , تخرج شحاطة , نضعها في رجلها , تجلس على الكرسي وتضع رأسها بين يديها ) كيف ألملم نفسي المبعثرة بينكم ؟! ( تنتبه على ساقها الذي برز بعد أن انحسر الثوب قليلا , تتحسس الساق برفق تهتز بداخلها أشياء جميلة , ترفع رأسها فتبرق عيناها )
عند الباب وقفنا ، فتح بمفتاحه بابا حديديا اسود …… واجهني دهليز يغور إلى الأسفل عدة درجات …. كانت مراجل التدفئة تصرخ … وصارت الدماء في عروقي تعوي … أنوثة بكل جلالها تفتح هذا الكون برعشتها فتتحول أصوات المراجل إلى تأوهات يتورد من خلالها جسدي …… الوقت قبل الظهر …. كان ذاك اليوم يحمل في طياته روائح المطر القادمة من أقاصي أنثى تحول جسدها إلى غابة استيقظت فيها كل الوحوش …… كان الهدوء يخيم على الشقق التي اعتلت القبو، يوم اقتادني حارس البناية ……. الشاب الوسيم ……. البائس ( تنهض ) ضمني إلى صدره كحمامة ….. هيه … يا صبية ألم تفهمي بعد ؟ …… ستفوتني اللحظات عما قليل ….. وتنهي العقارب دورتها … أما آن أن أطلق الأبراج عن حمامات روحي ؟ ……. وضعت إبهامي في أعلى السروال وانزلقت يدي حرة ……. وطار الحمام ……. !!! وشهقت …. قال : أحبك …… خرجت منه حزينة ..بائسة
(تذهب إلى جانب الخزانة وتخلع تنورتها , تعلقها على المشجب وتأخذ بنطالا أخضر وتلبسه )
كم حلمت أن أعريك بيدين من ضوء ….. وكلما انتزعت قطعة يتورد جسدي ……. ويتبدد الأفق في دمي ………لكن !!! ( تخرج من حالة التمني ويعلو وجهها غضب مفاجئ ) انتظر إذن أيها الحزين البائس … لا يمكن أن تبقى نوافذي نهبا للضباب … انتظر إذن من امرأة قالت للماء اتبعني فتبعها … سأغرقك أيها البائس في بقايا مائي !! فأنا التي نثرت مراياها أقمارا تقمصت أفراسا جموحة تهدم بروج الحكمة بسلسبيل من ألتوق والرغبة ….. أنا الأنثى…. فانتظر !
( تخلع قميصها وتنظر إلى صدرها …. تخرج منها زفرة مؤلمة , تعلق القميص وتلبس آخر بلون أخضر , وتنظر إلى نفسها في المرآة ) كلمة أحبك التي سمعتها في ذلك اليوم …. غيرت وضعية وقوفي لحظتها ……. لقد كانت مثل صاروخ تائه يخترق الصدر في حرب همجية صنعها رجال متعددي الأرجل ……. كائنات عنكبوتية ضخمة ( تضع يدها على جسدها وتنتابها موجة من البكاء المر الحزين الصامت ) نعم …. كائنات تفوح منها رائحة السفالة ….. تسلقوا هذا الجسد وأحكموا أرجلهم الصلبة اللزجة وبدءوا بمص نقي العظام بلذة لا مثيل لها ( تتجه نحو الباب وتقف قبالته ) تستحق …. فعلا تستحق ما وصلت إليه ….. لا يحق لك أن تحكي وأن تمشي لا … لا .. …لا تستطيع أن ترتقي سلمك لتخرج من قاع بئرك المهجورة فها هو الصمت يعاصف صخرتك المحمولة كقلادة على صدرك …. فعلا تستحق ما وصلت إليه …. لا ..لا تشد الحبل كثيرا كي تخرج من ماءك الآسن دون أن تلعق الروث المحمول على دماغك …. فعلا تستحق ما وصلت إليه … لا ….لا تركض نحو ظلي فإن عصاتي عصية … وهدفك محفوف بالفراغ … لا يعنني بعد الآن مهما صرخ آدم في دمك …. فخذ درعك وسيفك أيها الدنكشوت واخرج مع بقاياي ( بهدوء تتجه نحو الخزانة وتخرج واقية الرأس وتضعها على رأسها ) الآن سأعقد محكمة للتفتيش من النوع الغرائبي ….. محكمة تفتيش سرية لرجل بارد في غرفة باردة …. لرجل ينتظر أحدا ليدخل إلى تلافيف دماغه …… لرجل هناك ( تشير إلى الباب ) قضى محروقا بالمراجل التي احتواني دفئها ذات عشق , يوم طارت الحمائم من كل خلايا جسدي … لرجل يبحث عن باب ليلج به رجولته فقط ( تتجه نحو صورة ابن سينا ) هل شحت الرجال … أم انقرضت ؟ دلني على رجل لا يرى فيّ سوى جسد ناضج فقط …. لو وجدت رجلا غير ذلك لفتحت له مدارات روحه البهية بملايين الشموس ……. وفرشت له سريرا يليق بردائه الملكي ….. وتنفست برئة أعشابه , وعبق يديه , وزرقة أحلامه ( تستدير نحو الصالة بشكل سريع وتصرخ ) هذه الخمسة والثلاثين تبحث عن رجل لتفتح له مناديل عمري اليابس كحجر يبكي ضجرا …. هذه السنين تبحث عن رجل يضيئني ….. ويضيء بي …. بي أنا وحدي ……. ويملئ زيته خوابي روحي الفارغة …. لكن سواقيك لم تعرف شغب حصاي …. أأنا حصاة في تيارك ؟! لا … لا .. فأنا الحصاة التي حرفت مجراك أيها ال….الكائن ( بهدوء مليء بالهيستريا ) سأعيد ترتيب أشلائك يا حبيبي ….. سأوزع جسدك من جديد ……. لابد أن أنتزع من رأسك أعضائك التي في غير مكانها …. سأعيدها إلى مكانها الصحيح ( تنظر إلى ساعتها ثم تخلعها وتضعها جانبا وتذهب إلى الخزانة حيث نخرج صندوقا معدنيا صغير وتفتحه وتمسك مبضعا ترفع رويدا رويدا وهي تنظر إليه ) قبل أن يخلق الطير وتكتسي الأرض بالتوت والنحل والحرير ….. كانت أحلامي تنسج سرير عشق … … وأصابعي ترسم على أبواب الله تفاحة لا تسقط في فم مغفل ليأكلها ….. ثم يتفّ بذورها …. الآن سوف أصلح خطيئة من سموك سيدي ….. يا صاحب الأضلاع الناقصة ( تقرب المبضع من عينيها أكثر ) أيها المبضع …… الرجل المرمي في هذه الغرفة نثر بداخلي بذور تحولت إلى غابات من الثعابين …. ساعدني أيها المبضع ….. ساعدني لكي أعيد إليه رجولته الضائعة عبر آلاف السنين ….. علني استعيد انوثتي ……. لقد غاص الرجل في ماء روحي …. ثم نهض وتركني وحيدة ….. وحيدة أرتب ماء غابتي وأمد مصاطبها للعابرين ….. هاهو العشب الضليل ينمو في قيعان بئري …. وهاهي امرأة توزع مراياها وتستر وجهها في سحابة ( للصالة ) اخرجوا جميعا … واخرجوا معا….. فهناك طفل يقود قطيعا من المكر , وهنا امرأة تعدو حافية تنوء بحمل ثدييها …… لماذا عندما أقول امرأة تتكشف عورة الاسم وتنجلي مخارج الرعشة … اغربوا عني جميعا واتركوني في تابوتي ….. اتركوني أمتد إلى البحر , فبعض المرأة يؤلمني ويعصر الصبار في حلقي … كلما أغمضت عيني تتكشف الأبعد في صورة الخلق …فأنا لم أخلق من علق……… فالعلق مني ( تشير بيدها إلى رجل في الصالة ) وأنت مني وإليّ , الوردة وجه الشوكة والآثام بعض من رب , والماء حنين النار….. ( تذهب إلى الباب ) أنا التي رأيت النور قبل سطوعه أقاسي ممن لا يصغي …… من لايصغي لا يتعلم ومن لايتعلم يفتنه الوهم ( تهدأ وتبكي بمرارة وحرقة ) هذه الخمسة والثلاثين أيها الرجل لا تعرف طعم القهوة مع رجل على رصيف شارع مهجور أو مزدحم …….. كم تمنيت أن تخترق دماغي رائحة البن وأنا أفتح دفتر الصباح مع رجل تدفعه شهوة الاستيقاظ وتتحرش عيونه في أصابع قدمي , وتلبسه شفتاي قميصا يجيد الحرائق الحرة المعلنة ……. خمسة وثلاثين لم يجرؤ صمته أن ينكسر ليقول لي ( تهدأ وتشوبها ابتسامة حالمة ) أحبك أيتها الأنثى …… لو قلتها أيها الرجل ! …. لماذا أغلقت قلبك في وجه ضفافي …… لو قلتها أيها الرجل لرميت كرباج أبي فوق المزبلة …. حينها كنت أغور بذاتي …… وأحبها وأهديها لك .
(صمت ثقيل … تسير على الخشبة بقلق مرعب … ومن ثم بهدوء فيه حشرجة واشتهاء محدقة بالصلة)
لمن يحتشد الليل والنهار إذا كان هناك امرأة جائعة لرجل مقتول ……… لمرأة ذهبت هناك مع القتيل , وتركتني هنا كفزاعة ملوثة بالدم …. القمر ينزف …. والنجوم تنفض غبارها وأنا الوعاء …لا شيء غير الدم ( تصرخ ) آه …… آه …. أنا الفزاعة التي قتلت سيدها ….. وبقيت وحيدة في حقله ……. وما زالت العصافير تفر من حطامها ( تبكي وتنظر إلى المبضع ) ها أنا أيها المبضع مطوقة بالبحر …….. محكومة بالماء ……… كن معي أيها المبضع وادخل ……. ابحث معي أيها المبضع عن طفلان خارجان عن الوقت …….. طفلان يعيدان سرير البحر إلى جنة ساحرة ….. روحي مضطربة وأقدامي تتقيح بالدمامل , لقد أخذت أصابعي … وما عدت أعرف أن انتقي الدرب الذي أحب …… غادر أيها المبضع في جسد ذلك الرجل كزورق رمنه الأمواج على أقدام الصخور حين رأى الفجر رماديا , واهمس في أذني أيها المبضع عن السماءات التي لا تغلق نوافذها لأرتال من الفزاعات الهاربة من جحيم هذا العالم يا فزاعات العالم , ها أنا فزاعة تعلن بحرية عن أنوثتها … علها تستجدي طائرا يقترب من خوفها ويباسها … فشوارعي مهجورة كما لم تكن , فمن يشاركني التحديق إلى قمم النهدين لأشاركه لغة الأصابع حتى تنبثق مني الحكمة عارية …..لكن عبثا أيها المبضع أن كل فراشاتي أصابها الصمم , ففتح أيها المبضع باب هذا الرجل وادخل فسحة داره…. ادخل وأنشج في العت والنفتليين …. قرون وأنا أتلمس جسدي وأرتب فوضى روحي وأنشد مبتهجتا …. ( تغني ) أنا النسيج الذي لم ينسج ………..أنا النهر الذي لم تلوثه السحب بالأزرق ….. أنا التي تحلم أن تتأبط ذراع رجل لا يشبه أبي ( تقطع الأغنية وبيأس كبير تضع المبضع من جديد أمام عينيها ) غادر أيها المبضع إلى جحيم الرجل الذي في عروقي اليابسة ….. واقطع أوصالها …… فأنت جواز سفري ( تبعد المبضع عن عينيها وتعود إلى حالتها الطبيعية ) جواز سفري ……. !! سأسافر معك نعم سأسافر معك إلى فراديس كم تاقت روحي إلى ربوعها ( ترفع المبضع عاليا وتبعده أكثر ثم تهوي به نحو قلبها وتغرزه في صدرها , تسمع صرخة رجل قادم من وراء الباب )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق